دعوة لتوظيف صحافة البيانات في البحث العلمي

1 min read

 

لا شك أن صحافة البيانات تعكس الدور المتنامي لانتشار البيانات والمعلومات في العصر الرقمي وبات توظيفها في العمل الإعلامي أمرًا ضروريًا لما توفره من الحجة والثبات، فلا شك أن دعم النص بالأرقام إنما هو لدليل مقنع بالحجة، فضلًا عن عرضها للبيانات بطريقة بصرية جذابة بعيدًا عن النصوص التقليدية المطولة التي قد تدفع بالقارئ إلى الملل في ظل تزاحم وسائل ومصادر الإعلام التي جعلت من عملية استمرار اهتمام القارئ بمتابعة نص ما بمثابةِ تحدٍ بين وسائل الإعلام تتنافس جميعها لكسبه والاحتفاظ به.

في مؤتمر “من أجل صحافة بيانات متعمقة” الذي نظمته شبكة صحفي البيانات لمؤسسها ومديرها التنفيذي عمرو العراقي في شهر مارس الماضي بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، والذي حضره عدد كبير من أساتذة وخريجي كليات الإعلام بمصر والجامعات العربية والأجنبية وصحفيين ورؤساء تحرير، تم طرح مواضيع متعلقة بالصحافة المتطورة والمتعمقة التي تجعل من البيانات مصدرا أوليًا للقصة الصحفية بأنواعها المختلفة بهدف إكساب الصحفيين مهارات جديدة تتناسب مع العصر وقضاياه. ومن خلال ما تثنى لي حضوره من جلسات وورش عمل وحلقات نقاشية ضمن هذا المؤتمر، أدركت أهمية صحافة البيانات وكيف يمكن الاستفادة منها ليس في مجال الصحافة فحسب وإنما في العديد من مجالات حياتنا. فاستدعيت بذاكرتي ما نمر به نحن الباحثون في رحلتنا البحثية حتى ينتهي بنا الحال إلى وضع أطروحة الماجستير أو الدكتوراه على أرفف المكتبات. وفكرت مليًا؛ لماذا لا يتم تطبيق صحافة البيانات في مجال البحث العلمي؟ كأن يتم توظيفها تحديدًا في بحوث الماجستير والدكتوراه. فلدينا ملايين الرسائل العلمية في كافة القطاعات فلماذا لا يتم تحويل نتائج تلك البحوث في شكل بصري توظف فيها صحافة البيانات وما تستخدمه من وسائل عرض كالإنفوجرافكس والرسوم التوضيحية وغيرها مما يمكن معه اختصار النص على نحوٍ مبسط وجذاب.

إنني أقترح أن تتبنى كل مؤسسة صحفية, معنيّة بالنشر المطبوع أو الالكتروني, نشر نتائج بحوث الماجستير والدكتوراه والبحوث بجميع أنواعها في كافة المجالات, أو حتى أن يتم تخصيص موقع بالكامل لهذا الغرض. فعلى سبيل المثال, سيكون من المفيد أن يتم عمل قصص صحفية مدفوعة ببيانات حول أهم الرسائل الأكاديمية التي تم إعدادها في مجال المهنية وفي مجال الإعلام في الفترة من 2011-2018 بحيث يتم تجميع كل تلك الرسائل وعمل تقرير عنها باستخدام صحافة البيانات, يمكن من خلاله أن نستكشف الأسباب التي أدت إلى أوضاع الإعلام في الوقت الحالي وأن تكون هذه التقارير مدعومة بالحجة والدليل الرقمي والبصري أيضًا.

ومن ثم تعميم تلك التجربة في كافة المجالات ليس في مجال الإعلام فحسب؛ بحيث يتم النشر بشكل آلي لكل المجالات بالمتابعة مع المراكز العلمية والبحثية المتخصصة ويتم الإفادة من نتائج تلك البحوث وتحويلها إلى بيانات، وبالتالي الإفادة منها في تطوير كل قطاع ومن ثم تطوير المجتمع ككل. حيث لدينا العديد من الرسائل في مجالات الطب والهندسة والإدارة وغيرهم ولدينا باحثين في كل المجالات-يتزايد عددهم كل وقت-ويتكبدون أموالًا كثيرة لأجل بحوثهم فيما تبقى تلك الأبحاث, مهما كانت قيمتها ونتائجها الهامة, حبيسة الأرفف ومجرد حبر على ورق.

فإذا تبنت المؤسسات الإعلامية هذا الاقتراح فإن نتائج تلك البحوث -باختلاف مجالاتها- ستكون متاحة لعامة القراء والمتخصصين للإفادة منها من جهة، وهو ما يعود على المجتمع بالتطوير, وتقديرًا للباحثين ولمجهودهم من جهة أخرى.

ولن أتحدث هنا عن كمّ المشكلات التي تواجه البحث العلمي في مصر وشعور الكثير من العلماء بالتجاهل والإهمال لمنتجهم العلمي والبحثي، فليس مجالها هنا الآن، ولكننا نعلم أن أي بلد متقدم يضع العلم في مقدمة أولوياته. فدعونا نيسر على مسؤولينا, ممن لا يسمح لهم الوقت بالاطلاع على الكم المتكرر يوميًا من البحوث التي يمكننا الإفادة بها، دعونا نقدمها لهم في شكل “جاهز”، فلربما يلتفتون يومًا إليها وتدخل حيز التنفيذ.