«مؤتمر صحافة البيانات.. حجر في المياه الراكدة»

1 min read

في الماضي كان الصحفي يحصل على المواد عن طريق الدردشة مع الناس في الحانات وربما لا يزال الأمر كذلك في بعض الأحيان، لكن الحال تغيّر الآن وأصبح من اللازم على الصحفي أن ينكبّ على دراسة البيانات مع تجهيز نفسه بالأدوات اللازمة لتحليلها وانتقاء ما هو مثير للاهتمام مع الحفاظ عليها جميعًا في رسم توضيحي، لمساعدة الناس على رؤية جميع زوايا الموضوع وفهم حقيقة ما يدور حولهم.

هذا باختصار مفهوم صحافة البيانات وفقًا لـ(تيم بيرنرز لي) مؤسس الويب، الذي يقول أيضًا “إن المستقبل ملك الصحافة المعتمدة على البيانات، لذا وجب على كل صحفي أن يبرع في التعامل مع تكنولوجيا البيانات”.

مفهوم صحافة البيانات وكيفية إنتاج قصص إخبارية مدعومة بالأرقام والبيانات كان موضوع المؤتمر الذي شرفت بحضوره على مدار ثلاثة أيام من الثلاثاء وحتى الخميس 6-9 مارس، تحت عنوان “من أجل صحافة بيانات متعمقة” الذي نظمته شبكة صحفي البيانات العرب بمقرّ الجامعة الأمريكية بالقاهرة الجديدة، وحاضر فيه نخبة متنوعة من خبراء صحافة البيانات والصحافة الاستقصائية في مصر والعالمين العربي والغربي.

هدف المؤتمر إلى دعم الصحفيين العرب في مجال صحافة البيانات متسارع النمو، من خلال مشاركة أساسيات صحافة البيانات مع الصحفيين العرب، وتشجيعهم على إنتاج قصص صحفية مدفوعة بالبيانات والمشاركة في المسابقات الدولية المعنية بصحافة البيانات، ويعدّ المؤتمر نواةً لتأسيس فريق عربي من الصحفيين العرب، الذين سيتم اختيارهم وتأهيلهم من أجل إنشاء فريق متخصص قادر على إنتاج محتوى قوي مدفوع بالبيانات باستطاعته المنافسة في هذه المسابقات الدولية.

في اعتقادي أن مبادرة الإعلامي الشاب عمرو العراقي مؤسس شبكة صحفيي البيانات العرب ومديرها التنفيذي بتنظيم المؤتمر الأول للشبكة حول موضوع صحافة البيانات، إنّما هي محاولة منه لإلقاء حجر في مياه الصحافة العربية الراكدة التي تهتم بالقشور وتلهث وراء السبق الصحفي متخلية بإرادتها عن اللحاق بركب الصحافة الغربية التي سبقتها بعشرات السنين في الممارسة واستحدثت أدوات جديدة في العمل الصحفي تطيل من فترة بقائها وصمودها في وجه التغيرات التي هزّت عرش الإعلام بصفة عامة خصوصًا بعد ظهور الإعلام الاجتماعي وانتشاره، في الوقت الذي لا زالت فيه صحافتنا على المستويين المصري والعربي –بناءً على شهادات الممارسين ممن شاركوا في جلسات المؤتمر- تعتمد على الطرق التقليدية في الحصول على الأخبار في ظل غياب وعي القيادات التحريرية بأهمية صحافة البيانات والصحافة المتعمقة وتحت وطأة تباطؤ الحكومات العربية في إصدار قوانين حرية تداول المعلومات التي تحقق الشفافية وتتيح للصحفيين فرصة الإطلاع على البيانات دون قيود أو موانع لأسباب ساذجة.

يحدث هذا في الوقت الذي شهدت فيه صناعة الأخبار في السنوات القليلة الماضية صعود البيانات كمصدر أساسي للأخبار بدلًا من الأخبار التقليدية في حد ذاتها، وينظر إلى المستقبل بأنه ستتعدد فيه مصادر البيانات، تلك التي تفصح عنها المنظمات والحكومات كجزء من الشفافية، والبيانات التي يقدمها الأفراد طواعية، والبيانات المتعلقة بالمنصات الإلكترونية، والبيانات المسربة، كما أصبح هناك اتجاه لأن تحل صحافة البيانات محل الصحافة الخبرية التقليدية، ويُتوقع أن تكون المجال الأكثر تفضيلًا للصحفيين، بمعنى أنها أصبحت تفرض نفسها بقوة، وتمثل كذلك اتجاهًا جديدًا لمستقبل الصحافة يرتبط بالتكنولوجيا والإيضاحات البصرية.

مرة أخرى -كأكاديمي متخصص في تدريس الصحافة الاستقصائية والتي تعدّ صحافة البيانات إحدى أدواتها- أتقدم بخالص الشكر للأستاذ عمرو العراقي على مبادرته الطيبة بتأسيس شبكة صحفيي البيانات العرب، وتطرقه لهذا الموضوع الحيوي ومحاولة نشر ثقافة هذا الاتجاه الجديد على صحافتنا لدى شباب الصحفيين في مصر وعدد من دول العالم العربي الذين حرصوا على حضور المؤتمر وشاركوا في النقاش بحماس واضح، ولكن تظل ترجمة هذا الحماس إلى واقع في الممارسة العملية مرهونةً بإرادة الصحفي نفسه لتطوير مهاراته وتنويع أدواته حتى يفرض نفسه على قياداته التحريرية ويقنعهم بأهمية التوجهات الحديثة في العمل الصحفي.

 

نُشر هذا المقال للمرة الأولى على بوابة فيتو.