ما هي صحافة البيانات؟

بين الحين والآخر يظهر في عالم الصحافة العديد من العبارات الطنانة والشعارات التي يتردد صداها، وإما أن تتبلور أو تختفي، وقد أخذ أخيرٍا مصطلح الصحافة المدفوعة بالبيانات “Data Driven Journalism” وتيرة متزايدة في غرف الأخبار حول العالم، وبات يستخدم بدلًا من مصطلح التقارير بمساعدة الحاسوب (CAR)، والذي استخدم لعقود طويلة من الزمن.

وبالرغم من أنه مصطلح حديث نسبيًّا، إلا إن صحافة البيانات لا تعد منهجًا صحفيًّا جديدًا بقدر ما هي تطورًا منطقيًّا لممارستنا الصحفية اليومية، من تتبع للأحداث وجمع للبيانات، ومن ثم سردها في قصص صحفية، لكنها تختلف في اعتمادها الأساسي على البيانات والأرقام للوصول إلى القصة الصحفية، وفي كثير من الأحيان تعتمد فقط على استخدام الإحصاءات والرسوم البيانية.

فما يجعل صحافة البيانات مختلفة عن كافة أنماط الصحافة التقليدية هو اعتمادها بشكل أساسي على قواعد البيانات حيث يجد الصحفيون قصصهم الخبرية بين ثنايا الأرقام، ويضيفون إليها أبعادًا جديدةً، فتصبح الأداة الرئيسية لكشف وشرح سياق الخبر هي البيانات، أو المصدر الذي يُستند إليه للكشف عن زوايا جديدة للقصة الصحفية، والتى ما كان لها أن تظهر في ظل غياب البيانات.

تعد البيانات هي نقطة البداية للكشف عن كافة تفاصيل القصة الصحفية، وتعتبر أيضًا الهيكل الرئيسي الذي ينسج حوله سياق القصة بأكملها، فمن الممكن أن تكون أداة تستخدم لسرد القصة، أو المصدر الذي تعود إليه القصة، أو كليهما.

وقد وضع محرر البيانات بشركة جوجل «سايمون روجرز» في كتابه «الحقائق مقدسة» تعريفًا لصحافة البيانات، وعرفها بأنها قائمة على الأساليب التي  تساعد الصحفيين على تقديم القصة الصحفية في أفضل صورة ممكنة، من خلال مجموعة من الممارسات تُوظف قواعد البيانات والأدوات التحليلية لكتابة القصة الصحفية بشكل أفضل.

فصحافة البيانات تجمع بين أساليب البحث عن البيانات وطرق نشرها، ويستخدم صحفي البيانات لتحقيق ذلك  العديد من البرامج لربط وتحليل حزمة واحدة من البيانات أو أكثر بطريقة آلية لجعلها مقروءة، لتكشف البيانات للقارئ عن قصة صحفية  تحتوي على كم من المعلومات التي لم تكن واضحة مسبقًا، ويتم تقديم هذه المعلومات من خلال قصة صحفية لا تقتصر على النص فقط بل تُعرض دائمًا في تصور بصري جذاب، يأخذ صورًا مختلفة قد تكون ثابتة أو تفاعلية.

ويرجع الفضل في كثرة القصص الصحفية المدفوعة بالبيانات إلى  الحجم الهائل من البيانات الرقمية المتاحة حاليًّا بالإضافة إلى توفر البرمجيات التي يمكن استخدامها لتحليل وعرض كم كثيف من البيانات في أشكال وتصميمات جذابة، وهذه المقومات لم تكن متوفرة في الماضي حيث كان العمل الصحفي قائمًا على التغطية الميدانية لنقل الأخبار من موقع حدوثها، وكانت مانشيتات الصحف الصباحية تقتصر على ما حدث في مساء الليلة الماضية، بينما اليوم تتدفق البيانات والأرقام من خلال مصادر متعددة وتنتشر سريعًا عبر وسائل ومنصات مختلفة، ونتيجة لذلك أصبحت الحاجة إلى أن يكون الصحفي قادرًا على الوصول إلى البيانات وتصفية هذا التدفق المستمر وتحليله أكثر أهمية من نشر البيانات كما هي.

عمرو العراقي
عمل عمرو العراقي صحفيًّا لأكثر من عشر سنوات في عدد من غرف الأخبار الكبرى منها MBC وموقع YAHOO مكتوب، وفي نهاية عام انطلق للعمل الحر 2012 وأسس موقع InfoTimes أول موقع متخصص في صحافة البيانات في العالم العربي، بجانب وصوله إلى التصفيات النهائية لعامين على التوالي في مسابقة شبكة المحررين الدوليين لصحافة البيانات، ونشر له هذا العام كتاب “صحافة البيانات” كما ساهم العراقي في تدريب عدد من الصحفيين على تصميم البيانات بالتعاون مع BBC Media Action وشبكة Internews Europe.