مِردوخ: التكويد والرياضيات أصبحا ضروريين لأي صحفي بيانات

1 min read

جون بِرن مردوخ” هو صحفي بيانات يعمل في “فاينانشال تايمز” في لندن، وقد نشرت المدونة الخاصة بـ”datawrapper” حوارًا صحفيًّا، بعد ترجمته من الألمانية إلى الإنجليزية، وها نحن ننشره هنا بعد ترجمته إلى العربية.

 

انتقلت من كونك صحفيًّا إلى صحفي بيانات لديه القدرة على التكويد؛ ما الخطوات التي اتبعتها لتحقيق ذلك؟

 

بادئ ذي بدء، فإن الأمر بالنسبة لي هو رحلة واحدة مستمرة. إن مجموعة المهارات التقنية التي أمتلكها أصبحت أكبر وأكثر عمقًا مما كانت عليه منذ عام مضى، وأتوقع أن يكون الحال هكذا بعد عام من الآن، إذ إن أحد أعظم الأمور المتعلقة بالصحافة المعتمدة على الكم أو البرمجة هو أنه لا يوجد سقف للتعلم، فهناك دائمًا تقنية أو مدخل جديد يمكنك من تأدية عملك على نحو أفضل.

 

ردًا على سؤال: “كيف وصلت إلى ما أنا عليه اليوم؟”، فإنني أدين بالكثير إلى Martin Stabe ورؤساء عملي الآخرين في “فاينانشال تايمز”، الذين سمحوا بل وشجعوني أنا وزملائي، حتى نستمر في مساعينا لتطوير مهاراتنا التقنية. كذلك، فأنا مدين للقائمين على البرامج مفتوحة المصدر مثل d3 وRStudio، ولزملائي في المؤسسات الإعلامية الأخرى وكل من أسقط الحواجز من أجل أن يصبح بإمكاننا استخدام تلك الأدوات.

 

لقد بدأت أولًا بتطوير مهاراتي في التكويد بشكل جدي حينما تركت عملي في “الجارديان” وانتقلت إلى “فاينانشال تايمز” في أواخر عام ٢٠١٣، إذ إنني تعاملت في البداية مع HTML وجافاسكربت على نحو طفيف، ومن ثم بدأت أصحح الأخطاء أو أدخل التعديلات إلى موضوعات تفاعلية نفذها بعض زملائي في “الجارديان”، إلَّا أنني لم أتعلم كتابة الأكواد من الصفر حتى انتقلت إلى “فاينانشال تايمز”.

 

محاولاتي المبكرة في التكويد مضحكة، إذ كنت أنفذ تصميمات SVG في إكسل باستخدام معادلة concatenate. على الرغم من أن الأمر يبدو جنونيًّا الآن، أعتقد أنه يوضح صفتين أثبتا نجاحهما خلال رحلتي؛ الأولى: تفضيلي للتعلم ذاتيًّا، الثانية: رغبتي في فهم الكيفية والعوامل التي تعطي القدرة لكود على القيام بما يقوم به أكثر من الرغبة في تعلم معادلة بطريقة روتينية.

 

استئنافًا لحديثي عن تفضيلي للتعلم ذاتيًّا، ينبغي أن أنبه إلى أمرين؛ الأول هو أن الأمر تفضيل شخصي بحت، إذ إنه على الرغم من أن هذه الطريقة تنجح معي، فإنني أعرف أشخاصًا آخرين يبلون بلاءً أفضل بكثير مع المواد التعليمية التفاعلية، التدريب العملي على يد شخص، الورش التدريبية، وغيرها من الطرق.

 

الأمر الثاني هو أن التعلم ذاتيًّا لا يعني الاكتفاء ذاتيًّا، إذ إنني دائمًا ما أستعين بالآخرين، سواء كانوا على شاكلة مستخدمي Stack Overflow الذين يقدمون إجابات تسهم في إنقاذ مشروعات، أو الأبطال المتفانين الذين يكتبون موادًا تعليمية على الإنترنت، أو الصحفيين المذهلين الذين يعملون في مؤسسات إعلامية أخرى ويمكننا أن نمضي الدهر كله نحاول اكتشاف كيف قاموا بالعمل الذي قاموا به في قصصهم المعتمدة على العرض البصري والأرقام في قصصهم.

 

فيما يخص بعض الموارد التي أثبتت أن قيمتها لا تُقدر بثمن، لا يمكنني أن أغفل ذكر المواد التعليمية المُقدمة من Scott Murray الخاصة بــd3، فهو الأبرز وسط عشرات الموارد الإلكترونية والكتب المعنية بتصميم البيانات والإحصاءات.

 

من أين تأتي بأفكار موضوعاتك؟ بتعبير آخر: ما الذي يجعل القصة جيدة من وجهة نظرك؟

أحصل على أفكار موضوعاتي من القراءة، الاستماع، المشاهدة، والدردشة عبر الإنترنت؛ أحصل على أفضل أفكاري من مكان آخر أو من شخص آخر.

 

من السهل الاعتماد على الأرقام فقط أو الجانب البصري لإنتاج قصة صحفية مدفوعة في البيانات، أما أنا فأرى أن الطريق إلى موضوع جيد هو القصة نفسها، إذ إنها مهما كانت الحسابات الرياضية دقيقة ومهما كان التصميم مبتكرًا، فإنه يبقى دون قيمة إذا ما ترك القارئ متسائلًا: “ماذا بعد؟”.

 

رغم صعوبة الأمر، فإنني أحاول متابعة كافة الجوانب ذات الصلة بالموضوعات التي أتناولها بصريًّا في عملي، وهو ما يمكن أن يعني البقاء مطلعًا على آخر الموضوعات التي تناولت السياسة الأمريكية والبريطانية وعلوم الاجتماع والتركيبة السكانية وتغير المناخ وكرة القدم في أوروبا.

 

لهذا السبب، فإنني أستمع بانتظام إلى ما يقرب من عشرين منتج صوتي، أتابع وأتواصل مع مئات الأشخاص المبدعين عبر تويتر، أتبادل الأفكار مع معارفي وزملائي وأصدقائي وعائلتي بقدر من شأنه أن يكون مزعجًا لهم.

 

ما النصيحة التي توجهها للصحفيين الذين يجدون صعوبة في الرياضيات والتكويد؟

سيكون لديهم ألف حق إن رأوا أن التكويد غير مناسب لهم، إلَّا أن الأمر يختلف فيما يتعلق بالرياضيات، ومع ذلك فإن التكويد أصبح ضروريًّا لصحفيي البيانات ولأغلب الصحفيين الذين يعتمدون على العنصر البصري في موضوعاتهم.

 

كذلك فإن القدرة على استخراج البيانات أو إجراء تحليلات إحصائية من الممكن أن يكون ميزة إضافية كبيرة للعديد من الصحفيين حتى إن لم تلك هذه الأمور جزءًا من مهامهم الوظيفية، ذلك رغم الصعوبة التي من الممكن أن أواجهها إذا ما حاولت إقناع صحفي تحقيقات أو مراسل إخباري بالمزايا التي سيجنيها إذا أمضى أمسياته في تعلم بايثون أو جافا اسكربت.

 

أما فيما يخص الرياضيات، فإن عدم معرفة الصحفي بكيفية حساب التغير في الوسط الحسابي والوسيط والنسبة المئوية مسألة خطيرة عليه وعلى الناشر وعلى القراء؛ إن القدرة على التحقق من الإحصاءات أو ببساطة استيعاب وفهم السياق المتضمن لها من المقومات التي يجب أن يتحلى بها الصحفي، مثلها مثل قدرته على التحقق من خبر معين.

 

كيف يُنظر إلى صحافة البيانات في “فاينانشال تايمز”؟ هل تتمتع بمكانة مهمة أم أن هناك حاجة إلى بذل المزيد من الجهد لإقناعهم بأهميتها؟

 

فاينانشال تايمز مكان رائع لممارسة صحافة البيانات؛ أولًا لأنه من المستبعد أن تجد إحصائيين مدربين موزعين داخل غرفة الأخبار يقومون بمهام صحفية بمعزل عن فريق صحافة البيانات في مؤسسات صحفية أخرى، فقسم الاقتصاد بـ”فاينانشال تايمز” وحده يضم ٣ أشخاص نشروا تحليلات متعلقة بالتراجع كجزء من تقاريرهم، باستخدام برامج من بينها Stata وR.

 

مثل هذه الخصائص التي تميز المؤسسة الصحفية، إذا وضعت جنبًا إلى جنب مع حقيقة أن العديد من الصحفيين العاملين بـ”فاينانشال تايمز” سبق لهم العمل في مؤسسات مالية ومراكز بحوث كمية، من شأنها أن تعمل على حمايتنا من مسألة “التكشيك في الأرقام” التي يبدو أنها تجتاح العديد من المؤسسات الصحفية الأخرى.

 

أيضًا، شهدنا العديد من قصص النجاح الحقيقية على مدار العامين الماضيين، داخل فريق “فاينانشال تايمز”، في إنتاج قصص صحفية معتمدة على العرض البصري والأرقام، وعليه فقد أصبح يُنظر إلينا باعتبارنا جزءًا تزداد أهميته داخل غرفة الأخبار.

 

إن أكبر التحديات التي تواجهنا، في عملنا بالتحليل الإحصائي الذي نعمل على إعطائه درجة أكبر من التعمق، هو خروج القصة بطريقة واضحة، وقد استفدنا من Alan Smith، أول محرر تصميم بيانات في “فاينانشال تايمز”، في هذا الشق، إذ أثبتت تركيبة Alan الفريدة التي تمزج بين العبقرية في الإبداع والحماس الذي ينتقل وكأنه عدوى، فضلًا عن المهارات الدبلوماسية التي تصل إلى مستوى الأمم المتحدة في الدبلوماسية تميز “فاينانشال تايمز” في مجال تصميم البيانات.

 

هل لديك أية نصائح يمكنك تقديمها للمؤسسات الأخرى من أجل البدء في إنتاج موضوعات مدفوعة بالبيانات؟

الخطوة الأولى التي ينبغي عليهم تنفيذها هي توظيف تقنيين لديهم قدرة على الإبداع، لديهم قدر من الذكاء، ولديهم شغف تجاه التعرف على ما يدور حولهم في العالم وعرضه للجمهور، أما الخطوة التالية فهي توفير مناخ إبداعي لأقصى درجة ممكنة، والخطوة الثالثة هو أن ترى كيف مكنتهم براعتهم وطموحهم وإنتاجيتهم على توصيل المحتوى الذي تنتجه مؤسستك إلى جمهور جديد وأعرض.

 

ما الموضوع الذي تود أن تراه في شكل قصة صحفية مدفوعة بالبيانات ولم يتم تناوله إلى الآن؟

لا أحبذ فصل القصص الصحفية المدفوعة بالبيانات عن الأنواع الأخرى من القصص الصحفية. لكن، فيما يتعلق بالقصص الغنية بالبيانات التي تتناول موضوعات من المهم والرائع تناولها وعرضها، أرى أن هناك كمًا ضخمًا من الجوانب التي لم يتطرق إليها أحد، إذا تحدثنا عن الاستقطاب المجتمعي.

 

لقد أبرز التصويت على الخروج من الاتحاد الأوروبي وفوز “ترامب” في الانتخابات الرئاسية حجم الانقسام، الذي يمكن أن تصل إليه المجتمعات الغربية، وعمقه، سواء على المستوى الجغرافي أو المجتمعي أو الديموجرافي.

بُذلت جهود صحفية وأكاديمية ممتازة من أجل قياس واستكشاف هذه التحولات، وبخاصة في الولايات المتحدة، إلَّا أنني أعتقد أنه لا يزال هناك كمًا هائلًا من البيانات التي لم يتم التعرض لها، وبعض النظريات التي لم تخضع للإثبات بعد. يمكن لهذه الأمور أن تبرز أي الموضوعات ستكون أكثر أهمية خلال العقد التالي.