هل ستُمثل “صحافة البيانات” مستقبل الصحافة ؟

1 min read

 .. خبراء يؤكدون تزايد الحاجة إلى صحافة البيانات في المستقبل

يتيح العصر الرقمي للأشخاص إمكانية الحصول على المعلومات من مصادر متعددة بسهولة، ومع ذلك، فإن التدفق السريع للمعلومات يوفر انتشار أسهل للأخبار الكاذبة، والتي غالباً ما تؤدي إلى جدال لا نهاية له.

ونتيجة لذلك، يواجه الصحفيين اليوم تحديات جديدة للحفاظ على واقعية الأخبار و دقتها، فالإجابة عن الأسئلة الستة (من- ماذا- أين- متى- لماذا – كيف) لم تعد كافية، مما أدى إلى التوجه نحو صحافة البيانات التي تقدم بديلاً أفضل للقرّاء قائم على الأخبار العميقة والمستندة إلى البيانات.

لكن، ما هي صحافة البيانات؟ ألا ينبغي أن يكون العمل الصحفي مستنداً إلى البيانات والحقائق بشكل دائم؟.

وهنا يوضح واهيو ديهاتميكا، رئيس تحرير Tempo.co، أن صحافة البيانات هي تقنية صحفية ترتكز على استخدام البيانات كأساس للقصة ودعم الحجج، وما يميزها عن الصحافة التقليدية هو تأكيدها على استخدام المعلومات المُنظمة في هيئة أرقام.

علاوة على ذلك، يؤكد المؤسس المشارك والمدير العام لشركة كاتاداتا، آدي واهيودي، أن البحث ضروري عند العمل في صحافة البيانات، إذ لا يكتفي الصحفيون بكتابة التقارير من مصادر الأخبار فقط، وإنما يجب عليهم فحص  حقيقة الأمر.

ويرى أن الصحفيين يجب ألّا يكتفوا بالقدرة على الكتابة وإجراء المقابلات، فاليوم هم مطالبين باكتساب مهارات جديدة تساعدهم في  التنقيب عن المعلومات والبحث عن البيانات، كما يجب أن يتخلوا عن تخوّفهم من الأرقام.

ومع ذلك، لا تقتصر صحافة البيانات على تقديم البيانات والأرقام فحسب، بل يجب أن تحتوي على تحليل وتوفر منظوراً فريداً.

وطرح آدي مثالاً عن موضوع واردات الملح، إذ تتناول الكثير من وسائل الإعلام الجدل بين وزارة الشؤون البحرية والسمكية التي ترى أنه من غير الضروري استيراد الملح لوجود مخزون كاف، و وزارة الصناعة التي تؤكد ضرورة الاستيراد بسبب نقص المخزون.

ويؤكد آدي أن وسائل الإعلام التقليدية تلتقط النزاعات فقط، في حين أن وسائل الإعلام القائمة على البيانات والأبحاث ستحقق بعمق أكبر حول إتاحة المخزون من عدمه، مبيناً أن صحفيي البيانات سيبحثون عن المعلومات من مصادر مختلفة ويتحققون منها وفقاً للظروف الحقيقية في الميدان.

بدورها، قدمت أغنيا أدزكيا، الصحافية في Beritagar.id، مثالاً آخر، فعندما يكتب أحد الصحفيين قصة عن معدل البطالة في إندونيسيا، فلا يمكن الاكتفاء باقتباسات السياسيين والمسئولين دون تقديم بيانات رقمية من إحصائيات إندونيسيا أو منظمة العمل الدولية.

وأوضحت أنه من خلال استخراج البيانات قد تجد قصة حول معدل البطالة بين جيل الألفية مقارنةً مع جيل الطفرة السكانية أو غيرها من الفئات العمرية، والذي ظل عالياً خلال السنوات العشر الماضية.

 

الأدوات

 

يوضح واهيو أن هناك خمس خطوات مهمة عند إنتاج مادة مدفوعة بالبيانات، بدءاً من العثور على البيانات ذات الصلة، مروراً بجمعها وتنظيفها وتحليلها، وأخيراً تصوّرها أو تمثيلها بصرياً.

وهناك العديد من الأدوات التي يمكن استخدامها من قبل الصحفيين وبعضها متاح مجاناً، وبالنسبة للمبتدئين يمكن القيام بكل شيء من خلال Excel.

ويبين واهيو، أن تجريد البيانات يتطلب تشفيراً بسيطاً مثل Phython، إذا لم تكن البيانات في نموذج جدول البيانات متاحة، وبالنسبة لتنظيف بيانات، يمكن أن يعتمد الصحفي على OpenRefine، وفي مرحلة تحليل البيانات يستخدم الصحافيون بشكل عام R إذا كانت البيانات معقدة، وأخيراً يمكن عمل تصور للبيانات باستخدام Tableau.

وأضافت أغنيا أنه بإمكان الصحفيين أيضاً استخدام تطبيقات import.io في تجريد البيانات، وcharts Google أو مكتبات Javascript مثل C3 و D3 للتمثيل البصري، وعلاوة على ذلك، يمكن تصّور البيانات في صورة gif أو فيديو.

في صحافة البيانات، يعد تصوّر البيانات في شكل رسوم بيانية وجداول وخرائط  أمر شائع جداً، ومع ذلك، يرى آدي أن الرسوم البيانية ليست إلزامية في عمل صحافة البيانات.

في الواقع، تساعد الرسوم البيانية الأشخاص على فهم الأشياء، فالكثير من المنشورات كَتبت عن دعم الوقود لكن الكثير من الناس لا يرغبون بقراءتها.

ومع ذلك، عندما تم عرض الموضوع على شكل رسوم بيانية لاقى إقبالاً كبيراً، وقال آدي إن الإندونيسيين يميلون أكثر نحو الأمور البصرية، ويجدون سهولة في فهم الرسوم البيانية أو الفيديوهات أو الحركة – أكثر من النص.

 

الأمر يتطلب المزيد من الصبر

 

تعتبر أغنيا أن تفسير البيانات هي أكثر الخطوات صعوبة كونها تتطلب معرفة واسعة بمواضيع مختلفة، فتقول: “يجب أن أعرف ما تخبرني به البيانات وأن أقرأ منهجيتها وقاموسها بعناية قبل تحليلها”.

لسوء الحظ، غالباً ما تكون البيانات الواردة من الحكومة غير واضحة وغير كافية، إذ عملت أغنيا على تحليل مجموعة بيانات مكونة من 9000 صف من مستحضرات التجميل المحظورة في إندونيسيا من قبل هيئة الرقابة الغذائية والدوائية، وقد استغرق الأمر الكثير من الجهد لفرز القائمة.

والهيئة لم تفسر السبب وراء حظر مستحضرات التجميل بوضوح شديد، ولكنها قدمت فقط الفئات في عمود واحد، الأمر الذي تطلب من أغنيا تفسير هذه الفئات وتدقيقها مجدداً.

وبالمثل، انتقد آدي عدم تزامن البيانات الواردة من الحكومة في كثير من الأحيان، فالبيانات الواردة من وزارة ما يمكن أن تكون مختلفة جداً عن غيرها، على الرغم من أنها تتناول الموضوع  ذاته، كما هو الحال مع مسألة الملح.

لذلك، فإن النقاش في البرلمان كان يدور دائماً حول ضرورة استيراد الملح أم لا، ونتيجة لذلك، وبعد عشرات الاجتماعات، لا تزال الحكومة غير قادرة على اتخاذ القرار.

ويكمُن التحدي الآخر في وسائل الإعلام والصحفيين أنفسهم، فعلى عكس الصحافة التقليدية التي تركز على السرعة، تستغرق الصحافة البيانات وقتاً أطول، لذلك، يجب أن تتحلى وسائل الإعلام والصحفيين بالصبر.

ويقول آدي، أن وسائل الإعلام لن تكون قادرة على تطوير صحافة البيانات إذا كان الصحفي مُكلّفاً بكتابة 10 مقالات إخبارية يومياً، فالعمل في صحافة البيانات، يتطلب من الصحفيين العثور على البيانات والكثير من البحث لدعم القصة المكتوبة، فالأمر يحتاج إلى الكثير من الوقت وعلى سياسات الإعلام دعم ذلك.

 

أهمية صحافة البيانات

 

بالنسبة لآدي، فإن صحافة البيانات مهمة لتقديم الحقائق إلى العامة؛ ليس فقط لأنها ستوفر صورة كبيرة، ولكنها تساعد الحكومة أيضاً على اتخاذ قرارات مهمة.

ويقول “من المهم أيضاً عندما تصبح الأخبار موضوعاً للنقاش على وسائل التواصل الاجتماعي، أن يستند الأشخاص في نقاشاتهم على  قواعد وعناصر أساسية، و ليس على تصريحات السياسيين أو المسؤولين فقط”.

صحافة البيانات مطلوبة بشكل مطلق، خاصة في وسائل الإعلام الاقتصادية والتجارية، “فإذا كنا نتحدث عن الاقتصاد والأعمال دون بيانات، فلن نتمكن من إثبات مصداقيتنا، عندما نقدم التحليل مع البيانات، سيكون من الأسهل كسب ثقة الأشخاص”.

وبالمثل، يعتقد واهيو أن صحافة البيانات مهمة لتحسين صحة ودقة الأخبار، وتسمح البيانات للصحفيين بمشاهدة الظواهر على مدى زمني أطول، مثل الاتجاهات على مدى 10 إلى 20 عاماً، كما يمكن أيضاً الحد من التحيز في إدراك الصحفي من خلال استخدام البيانات.

على الرغم من أن الأخبار المثيرة المستندة إلى الافتراضات لا تزال تهيمن على الإعلام الإندونيسي في الوقت، إلا أن واهيو يشعر بتفاؤل حيال القرّاء الذين سيبحثون في النهاية عن الجودة والصحافة الدقيقة.

“صحافة البيانات هي مستقبل الصحافة، و​​ستكون هناك حاجة متزايدة لها في المستقبل، إلى جانب تطوير التكنولوجيا الرقمية”.

 

للاطلاع على المقال الأصلي اضغط هنا