تعرف على أهم رواد “تصور البيانات”

1 min read

من خلال تتبُع تاريخ البشرية، يمكن رصد العديد من الحالات التي وجد فيها الأفراد طرقاً لتوصيف وتوثيق تجاربهم بصرياً.

وتمثل لوحات الكهف مشاهد الصراع بين الإنسان والحيوان، وتُقدم الجداريات المصرية لمحة عن نمط الحياة المُتبع آنذاك وتبجيل الفراعنة، والعائلة المالكة والآلهة الأخرى، وكذلك كفاح الفلاحين والمصاعب التي واجهوها في حياتهم.

واستطاع بعض الفنانين والنحاتين في جميع أنحاء العالم إحراز تقدم سريع عبر قرون فائتة، وكانوا يعكسون نظرتهم إلى العالم من خلال فنهم.

“لدينا حاجة فطرية لوصف العالم من حولنا وتفسيره”

ويعد توثيق التجارب أمراً بالغ الأهمية في مجالات مثل العلوم والهندسة، حيث اعتمد العلماء أيضاً على الملاحظات والرسومات والشروح، وفي وقتٍ لاحق والصور لدعم فرضياتهم وتعزيز المعرفة الجمعية للمجتمع العلمي، وهناك حالات أخرى تتطلب رواية قصة تحتوي على سرد أكثر تعقيداً من مجرد تقرير عن النتائج.

وفي هذا المقال سيتم تسليط الضوء على عمل روّاد تصوّر البيانات، الذين مهدوا الطريق أمام المخططات البيانية وغيرها من تقنيات تمثيل البيانات بصرياً التي تحظى بشعبية كبيرة اليوم.

تشارلز جوزيف مينارد

كان مينارد مهندساً مدنياً فرنسياً عمل في العديد من مشاريع البناء بجميع أنحاء أوروبا، وتمتع بنظرة ثاقبة ودقيقة لتمثيل البيانات، خاصةً في رسم الخرائط.

وأكثر رسومه البيانية شهرةً، هي تلك التي تصوّر محاولة نابليون لغزو روسيا في 1812، ويجمع مينارد بين أنواع متعددة من البيانات في تمثيل واحد: الخريطة في الخلفية، وفي الأسفل درجة الحرارة المسجلة في كل منطقة، وتم تمثيل حجم جيش نابليون الذي اتجه نحو موسكو باللون بالبيج، أما عودتهم منها فعبّر عنها باللون الأسود، كما تم إضافة خطوط الطول والعرض للرجوع إليها عند الحاجة.

والأمر الأكثر إثارة للإعجاب في تصوّر مينارد، هو قدرته على تمثيل العديد من النقاط البيانية المعقدة وأنواع البيانات بطريقة تُبقي السرد كنقطة محورية للصورة.

وستخطف المنطقة الملونة بالبيج بصرك وستثير فضولك للبحث عن القصة الكامنة وراءها من خلال الاطلاع على علامات أخرى مثل أسماء المدن التي مروا بها، أو الأرقام المُرفقة بالشرح جانباً والتي تتقلص بشكل تدريجي، أو حقيقة وجود خط أسود رفيع للغاية يمثل عودة جيش مهزوم تقنياً.

فلورنس نايتنجل

ولدت فلورنس نايتنجل خلال العصر الفيكتوري في قلب لندن، وتعد رائدة التمريض الحديث، وتكريماً  لها، أُنشئ تعهد باسمها تلتزم به الممرضات، وهو نسخة مُعدلة من قُسَم أبقراط.

وما ضاعف مساهمتها في ترسيخ مهنة التمريض، اهتمامها بالإحصاءات من أجل تطوير الرسم البياني للمنطقة القطبية.

والحالة التي استخدمتها نايتنجل في تصوّر البيانات، هي تمثيل أسباب الوفاة في المستشفى العسكري الذي عملت به، وبعد جمعها للبيانات لمدة عامين تقريباً، تمكنت من تصوير الوفيات الناجمة عن الأمراض التي يمكن الوقاية منها (اللون الأزرق)، أو نتيجةً للجروح (اللون الأحمر) وغيرها من الأسباب غير المعروفة (اللون الأسود).

جون سنو

كان سنو طبيباً بريطانياً وأحد مؤسسي جمعية علم الأوبئة في لندن، وفي أوائل القرن التاسع عشر، شهدت العاصمة البريطانية العديد من حالات الإصابة بالكوليرا التي دمرت المدينة، وفي 1854 تابع الدكتور جون سنو إحدى هذه الحالات عن كثب.

وساد في ذلك الوقت اعتقاداً عاماً بأن التلوث و”الهواء السيئ” – نظرية المياسما-، هو سبب انتشار هذا النوع من الأمراض،  ومن أجل فهم ومعرفة المصدر الحقيقي لهذا المرض وكيفية انتقاله بين سكان لندن، بدأ سنو برسم خرائط للمنازل المتأثرة.

وتوصل إلى استنتاج مفاده أن مصدر الوباء هو رداءة نوعية المياه، وذلك بعدما تبين له أن عُمال مصنع الجعة المحلي كانوا يشربون الجعة أكثر من الماء، وبالتالي لم يتأثر أحدِ منهم بداء الكلوليرا.

وبالنظر إلى موقع مضخات المياه في الخريطة، يمكن ملاحظة حدوث حالات وفاة أكبر في محيطها، مقارنةً بالأحياء التي لا تخدمها تلك المضخات.

وأن اقتراح تعطيل مضخة المياه عند مركز تفشي الوباء – شارع برود- أدى إلى احتواء تفشي المرض وتقليص حصيلة الوفيات بشكل تدريجي.

جدير بالملاحظة أن عمل هؤلاء الرواد ومعاصريهم مهدّ الطريق أمام التخصصات التي نعرفها اليوم على أنها تصوّر للبيانات والمعلومات، وكذلك الاستخدام الواسع للرسوم البيانية.